السيد محمد بيرم الخامس التونسي

87

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

ببحر فارس » « 1 » . وهل ذلك إلا من السويس أو من مكان آخر من آسيا اليابسة ؟ وهو أيضا يفيد المطلوب ، فتقلب حالات الأرض لا تبعد أن يكون سدّ يأجوج ومأجوج جهة القطب الجنوبي الذي هو وما قاربه أكثر مجهولية من الشمالي ، سيما وآثار سلسلة الجزائر إلى استراليا كالآثار الدالة على الاتصال ، ويؤيد أنه في أحد القطبين الصفات التي ذكرت ليأجوج ومأجوج في خلقتهم في الأحاديث الصحيحة كما في البخاري وغيره من الصحاح ، وهي صفات تقرب كثيرا من الصفات التي وجد عليها أهالي الجزيرة التي ذكرناها قريبا جهة الشمال واكتشفها الإنكليز وشاع أمرها وذكرها في صحف الأخبار ورسمت في خارطات الجغرافيين ، ووصول ذي القرنين إلى هاتيك الجهات وما وراءها ليس بغريب . أما أولا : فلأن حرارة الأرض إذ ذاك ليست هي التي عليه الآن فجهات القطبين لم تكن على هاته الدرجة من البرودة ، ولذلك أدلة مسلمة في كتب الجغرافية الطبيعية خلاصتها على مذهب المتأخرين الذي لا يخالف الشرع ، أن هاته الأرض كانت كوكبا نائرا ناريا ثم انطفت طبقتها العليا ، ولا تزال تثخن تلك الطبقة ، وعلى قدر ثخنها تبرد وتنحصر الحرارة في جوف الأرض ومركزها ، ومهما وصلت الطبقة إلى درجة من الإعتدال الصالح لخلق من مخلوقات اللّه يخلقه اللّه فيها . وهكذا على التدريج إلى أن تم ما أوجده اللّه فيها واضمحل منها من أنواع الحيوان ما لم تبق صالحة له كنوع يشبه الفيل وهو أضخم منه وأنيابه مرتفعة إلى فوق ، فإنه الآن انعدم مما هو معروف من الأرض واكتشف على عظامه في طبقات سفلى من الأرض بالحفر جهة سيبيريا ، ويشهد بصحة هذا القول الأحاديث الواردة في التكوين وأن آدم عليه السلام ، خلق بعد الأرض بمدّة طويلة وأن الخيل خلقت قبل آدم عليه السلام بكثير ، إلى غير ذلك من الصفات الواردة عن الشارع في كيفية التكوين ، وقد وجد في سيبريا من عظام الحيوانات التي لا تعيش إلا في الأرض الحارة كالفيل وغيره بكثرة ، مما يدل على أنه ليس بمجلوب وإنما هو حيوان أصلي . هناك ما يقضي بأن تلك الجهة كانت حارة ليست على ما هي عليه الآن من شدّة البرد ، فيحتمل أن زمن ذي القرنين كانت الحرارة معتدلة هناك حتى يمكن الوصول إلى تلك الجهة بلا مشقة ، ولا يقال إن التاريخ من زمن ذي القرنين إلى الآن لا يقتضي هذا التغير الكثير ، لأنا نقول : إن ذا القرنين هذا هو عربي كثر ذكره في أشعار العرب واسمه الصعب ملك من ملوك العرب العرباء معاصر لإبراهيم عليه السلام أو بقرب منه هذا هو الصحيح ، وإن غلط الرازي وغيره في توهمه أنه إسكندر المقدوني ومقدار زمنه لا يمكن الوقوف على تحقيقه ، وذلك أن ذا القرنين كان قبل موسى عليه السلام بكثير حسبما تقدّم في كون الخضر عليه السلام وزيره وهو الذي عاش وتعلم منه موسى عليه السلام ، وجميع التواريخ القديمة

--> ( 1 ) هو قول غير واحد : إن مجمع البحرين هما بحر فارس مما يلي المشرق وبحر الروم مما يلي المغرب . وقال محمد بن كعب القرظي مجمع البحرين عند طنجة يعني في أقصى بلاد المغرب . انظر ابن كثير 3 / 92 وتفسير البغوي 3 / 142 .